أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

350

شرح مقامات الحريري

يوسف : كنت البارحة قد أويت إلى فراشي ، فإذا داق يدقّ الباب بشدّة ، فأخذت عليّ إزاري ، وخرجت ، فإذا هو ابن أعين يقول : أجب أمير المؤمنين ، فقلت : يا أبا حارثة لي بك حرمة ، وهذا وقت كما ترى ، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين دعاني لمكروه ، فإن أمكنك أن تدع الأمير إلى غد فلعله أن يحدث له رأي ! فقال : ما لي إلى ذلك من سبيل ، قلت : كيف كان السبب ؟ قال : خرج إليّ مسرور الخادم ، فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين ، فقلت : أتأذن لي أن أصبّ عليّ ماء وأتحنّط فإن كان أمر كنت قد أحكمت شأني ، وإن رزق اللّه العافية فلن يضرّ ، فدخلت ففعلت ذلك ، وتطيبت ثم خرجنا إلى دار الرشيد ومسرور واقف ، فقلت : يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي ، وهذا وقت ضيّق ، أفتدري لم طلبني ؟ قال : لا ، قلت : فمن عنده ؟ قال : عيسى بن جعفر وحده ، ثم قال : مرّ فإذا صرت في الصّحن فحرّك رجليك ، فإنه في الرواق ففعلت ، فقال : من هذا ؟ قلت : يعقوب ، قال : ادخل ، فدخلت فسلّمت فردّ عليّ السلام ، وقال : أظنّنا روّعناك ؟ قلت : إي واللّه ومن خلفي ، قال اجلس ، فلما سكن روعى ، قال : يا يعقوب هل تدري لم دعوتك ؟ قلت : لا ، قال : لأشهدك على هذا ؛ إنّ عنده جارية ، فسألته أن يهبها أو يبيعها لي فأبى ، وو اللّه لئن لم يفعل لأقتلنه . فالتفتّ إلى عيسى وقلت : وما بلغ قدر الجارية ؟ أتمنعها أمير المؤمنين وتنزّل نفسك هذه المنزلة ؟ فقال لي : عجّلت القول قبل أن تعرف ما عندي ، إن عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك ألّا أبيعها لأحد ولا أهبها ، فالتفت إليّ الرشيد ، فقال لي : هل لك في ذلك مخرج ؟ فقلت : نعم ، قال : وما هو ؟ قلت : يهب لك نصفها ويبيعك نصفها ، فيكون لم يبع ولم يهب ، قال عيسى : ويجوز ذلك ؟ قلت : نعم ، قال : فأشهدك أني قد وهبت له نصفها ، وبعت منه نصفها بمائة ألف دينار ، وأتي بالجارية ، فقال : خذها يا أمير المؤمنين بارك اللّه لك فيها ، قال : يا يعقوب ، وبقيت واحدة ، قلت : يا أمير المؤمنين ، وما هي ؟ قال : هي مملوكة ولا بدّ أن تستبرأ ، وو اللّه إنّ نفسي لتخرج إن لم أبت معها . فقلت : يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها ، فإن الحرّة لا تستبرأ ، قال : فإني قد أعتقتها ، فدعا بمسرور وحسن ، وخطبت وحمدت اللّه ثم زوجت على عشرين ألف دينار ، ودفع المال إليها ، ثم قال : يا يعقوب انصرف ، ثم قال : يا مسرور احمل إلى أبي يوسف مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا ، فحمل معي ذلك ، قال بشر : فالتفت إلي يعقوب ، فقال : هل رأيت بأسا فيما فعلت ؟ قلت : لا قال : فحقّك منها العشر فشكرته ، وذهبت : لأقوم وإذا بعجوز دخلت ، فقالت : يا أبا يوسف ، بنتك تقرئك السلام ، وتقول : واللّه ما وصلني من أمير المؤمنين في ليلتي هذه إلّا المهر الذي قد عرفت ، وقد جعلت إليك النصف منه ، وخلّفت الباقي لما أحتاج إليه ، فقال : ردّيه ، فو اللّه لا قبلته ، أخرجتها من الرّق وزوّجتها من أمير المؤمنين وترضيني بهذا ، فلم نزل نتلطف إليه أنا وعمومتي يقبلها فقبلها وأمر لي بألف دينار . وأما صلة الحج بالعمرة التي ذكر الحريري ، فإن أبا يوسف في ذلك مخالف لمالك